حين انتصر المكان على الدمار.. "بيت الداية" يروي حكاية صمود غزة
في أحد أزقة البلدة القديمة بمدينة غزة، تتسلل أصوات الزوار بين الجدران الحجرية العتيقة، بينما تتراقص أشعة الشمس فوق أقواس صمدت قرونًا طويلة في وجه الزمن.
هناك يقف "بيت الداية"، ليس مجرد مبنى أثري نجا من الحرب، بل شاهدًا حيًا على ذاكرة مدينة ما زالت تبحث عن الحياة وسط الركام.
عندما تخطو سهاد صبيح إلى داخل البيت للمرة الأولى، تشعر وكأنها عبرت بوابة زمنية أعادتها إلى قرون مضت. تتأمل الحجارة الرملية القديمة، وتتوقف أمام بركة الماء الصغيرة التي تتوسط الفناء، فيما تنتشر حولها نباتات النعنع والريحان فتمنح المكان رائحة تشبه الحنين.
تقول سهاد إن دهشتها لم تكن بالمكان وحده، بل بالشعور الذي غمرها وهي تجلس في الرواق ذي الطابع العثماني. للحظات، نسيت أصوات الحرب وآثارها، وشعرت وكأنها تعيش مشهدًا من بيت دمشقي قديم كانت تراه في المسلسلات التلفزيونية. "كان المكان يمنحني شيئًا افتقدناه طويلًا... السكينة"، تقول بابتسامة هادئة.
قبل مئات السنين، شُيّد بيت الداية ليكون واحدًا من أبرز البيوت التاريخية في غزة. تعاقبت عليه أزمنة كثيرة، وشهد تحولات لا تُحصى، لكنه ظل قائمًا رغم ما أصاب المدينة من حروب ودمار. واليوم، يعود ليفتح أبوابه من جديد، لكن بصورة مختلفة؛ مطعم يحتضن الناس بين جدرانه القديمة، ويمنحهم فرصة للقاء الحياة وسط ذاكرة المكان.
أحمد أبو القمبز، مدير مطعم "سكوب"، يرى في المشروع أكثر من مجرد استثمار أو مشروع تجاري. بالنسبة له، كان التحدي الأكبر أن تبقى روح البيت حاضرة في كل زاوية.
فكل حجر يحمل قصة، وكل قوس يحفظ جزءًا من تاريخ غزة. وبين صعوبات الترميم ونقص الموارد وآثار الشظايا التي تركتها الحرب على الجدران، كان الإصرار أكبر من كل العقبات.
مع حلول المساء، تمتلئ أروقة البيت بالزوار. بعضهم يأتي لتناول الطعام، وآخرون يأتون فقط ليجلسوا بين الجدران القديمة ويتأملوا تفاصيلها. الجميع يبحث عن شيء مختلف؛ لحظة هدوء، أو صورة جميلة، أو ربما شعور بأن المدينة ما زالت قادرة على الاحتفاظ بجمالها رغم كل ما مرت به.
يقول خبراء التراث إن المباني الأثرية لا تحفظ الحجارة فقط، بل تحفظ ذاكرة الناس أيضًا. وبيت الداية اليوم يفعل الأمرين معًا؛ يصون تاريخًا عمره قرون، ويمنح سكان غزة مساحة يتنفسون فيها الأمل.
في مدينة أنهكتها الحروب، يبدو بيت الداية أكثر من مجرد مبنى أثري. إنه رسالة صامتة تقول إن الحياة تستطيع أن تنبت بين الشقوق، وإن التاريخ لا يعيش في الكتب وحدها، بل في الأماكن التي تظل قادرة على استقبال الناس، وجمعهم حول مائدة واحدة، رغم كل شيء.

.avif)