من الفستان “المستعمل” تولد الفرحة.. حكاية عرائس غزة

في غرفة صغيرة بالكاد تنجو من ظلام الانقطاع المتكرر للكهرباء، تجلس نسرين الرنتيسي أمام ماكينة خياطة قديمة، تحركها بيديها بصمت يشبه الصبر.
حولها تتكدس فساتين زفاف باهتة، فقدت بريقها مع السنوات والحرب، لكنها بالنسبة لها ليست مجرد أقمشة مستعملة، بل أحلام مؤجلة تحاول أن تمنحها فرصة جديدة للحياة.
تتفحص نسرين أحد الفساتين بعناية، تفك خيوطه القديمة، ثم تعيد تطريزه قطعةً قطعة، وكأنها تخيط الأمل نفسه.
تقول إن كثيراً من عرائس غزة لم يعد بإمكانهن شراء فستان جديد، بعدما ارتفعت الأسعار بشكل يفوق قدرة العائلات التي أثقلتها الحرب والفقر والنزوح.


لذلك باتت الفساتين “البالية” الملاذ الوحيد لعرائس يحاولن التمسك بفرحة صغيرة وسط كل هذا الخراب.


قبل الحرب، كان شراء القماش أمراً عادياً، أما اليوم فأصبح رفاهية بعيدة. الأسعار تضاعفت مرات كثيرة، والكهرباء التي كانت تساعدها على إنجاز عملها اختفت لساعات طويلة، ما أجبرها على العودة لماكينات الخياطة اليدوية. ورغم التعب، تواصل العمل لأن خلف كل فستان حكاية فتاة تنتظر يوم زفافها بشغف وخوف في آنٍ واحد.


من بين تلك الحكايات، تقف شهد فايز، الشابة ذات الواحد والعشرين عاماً، قبل أيام فقط من زفافها. تتنقل بين محال الفساتين بعينين متعبتين، تبحث عن فستان يشبه أحلامها البسيطة، لكنها تصطدم بالأسعار المرتفعة والخيارات المحدودة. تقول بصوت يخفي الكثير من الخيبة إن أقل سعر لفستان زفاف يتجاوز ألف دولار، بينما لا تملك عائلتها سوى مبلغ بالكاد يكفي لتأمين أساسيات الحياة.


ورغم كل شيء، لم تتخلَّ شهد عن حلمها. فمثل كثير من شباب غزة، تحاول أن تتمسك بفكرة الزواج بوصفها انتصاراً صغيراً للحياة في وجه الحرب. قد لا يكون هناك حفل كبير، ولا فستان فاخر، لكن مجرد ارتداء ثوب أبيض — حتى لو كان معاد ترميمه — يبدو كأنه إعلان عن قدرة الناس هنا على النجاة، وعلى اختراع الفرح من قلب الألم.